{منتديات صـــــــ الحجرية ـــــــــوت} {Taiz yemen}


صوت الحجرية واحة تجمع ابناء اليمن علي بساط الاخاء والمحبة yemen taiz
 
الرئيسيةالسامعيمكتبة الصوربحـثالأعضاءيرجي التسجيلدخولالتسجيل

شاطر | 
 

 ما هي الماركسية؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
معاذ حميد السامعي
(المديـــ العام ـــــــــــــر)
(المديـــ العام ـــــــــــــر)
avatar

.
معاذ
الجنس : ذكر

4
العمر : 27
عدد المساهمات : 594

مُساهمةموضوع: ما هي الماركسية؟   الخميس سبتمبر 02, 2010 11:48 am

الجزء الأول: ما هي الماركسية؟
"كما يميز المرء في الحياة الشخصية، بين ما يعتقده و يقوله إنسان عن نفسه، وبين حقيقته وحقيقة ما يفعل، فينبغي التمييز لدرجة أكبر في الصراعات التاريخية، بين مقولات وخيالات الأطراف المشاركة في هذه الصراعات، وبين تكوينهم الحقيقي ومصالحهم الحقيقية، وبين تصورهم لأنفسهم، وبين حقيقتهم" (كارل ماركس: الثامن عشر من برومير: لويس بونابرت).

كل ما أعرفه هو أنني لست ماركسيا—هكذا قال ماركس. إن ما كان في سبعينات القرن التاسع عشر نكتة جدلية لبقة تحول منذ ذلك الوقت إلى مشكلة سياسية كبرى، فقد شهد القرن الذي مضى على وفاة ماركس ظهور عدد لا يحصى من الماركسيات المختلفة والمتصارعة، وهناك حاجة ماسة الآن لحل هذه الإشكالية ووضع معايير قبول الزعم بالانتماء للماركسية وبالتالي الإجابة عن السؤال الشائك: ما هو التراث الماركسي الأصيل؟

ولكن دعونا في البداية نكون واضحين بالنسبة لكافة أبعاد المشكلة، فالمشكلة ليست وجود آراء مختلفة حول بعض القضايا، بين الأشخاص الذين يسمون أنفسهم ماركسيين، (ميل معدل الربح للانخفاض مثلاً، أو الطابع الطبقي للاتحاد السوفيتي) فهذا شيء متوقع في أي حركة ديمقراطية حية. المشكلة الحقيقية هي أننا كثيراً ما نجد "الماركسيون" يسجنون ويقتلون ويشنون الحرب على بعضهم البعض، بل ونجد من يسمون أنفسهم "ماركسيين" على الجانبين المتضادين من المتاريس الثورية في كثير من الصراعات السياسية الكبرى في عصرنا. تأمل بليخانوف ولينين في 1917، وكاوتسكى ولوكسمبورج في 1919، والشيوعيون والحزب التوحيدي الماركسي في برشلونة في 1936، والمجر 1956، وبولندا 1981، يدفعنا كل ذلك إلى التساؤل حول تعريف الماركسية.

هناك بالطبع من يرفضون هذا التساؤل كلية، وينكرون أي معني للبحث عن ماركسية حقيقية، ويقبلون ببساطة كماركسيين كل الذين يزعمون أنهم كذلك. إن هذا التوجه يناسب البرجوازية ومنظريها الأكثر فجاجة، لأنه يسمح لهم بإدانة الماركسية ككل والماركسيين جميعاً من خلال ربطهم بجوزيف ستالين وبول بوت، كما يناسب أيضاً الأكاديميين المتخصصين في الماركسية، فهو يمكنهم من إنتاج العديد من الكتب المربحة عن الماركسية وكل "مدارسها"، من الماركسية النمساوية إلى ماركسية لويس التوسير. إن هذا المنهج تأملي في جوهره، فالفعل، خاصة الفعل الثوري يقتضي الحسم في النظرية والممارسة معاً. إن الماركسيين الذين يريدون تغيير العالم وليس فقط الارتزاق من تفسيره ليس لديهم سوى خيار واحد وهو مواجهة المشكلة ورسم الخط الفاصل بين الأصيل والمزيف.

إحدى طرق محاولة رسم مثل هذا الخط الفاصل (بين الماركسية الأصيلة والمزيفة) قد تكون بتعريف الماركسية على أساس كتابات ماركس وقياس التابعين بدرجة ولائهم لكلمات الأستاذ. لكن هذا بالطبع مدخل مدرسي، بل وديني، فهو يفشل في الأخذ بالاعتبار أنه إذا كانت الماركسية كما قال إنجلز "دليل للعمل وليس دوجما"، فعليها أن تكون نظرية حية ومتطورة وقادرة على النمو المتواصل وعليها أن تحلل وتستجيب لواقع متغير على الدوام، وهو واقع شهد بالفعل تغيرات ضخمة منذ أيام ماركس. حتى لو كنا لأسباب تاريخية نسمي النظرية باسم الشخص الذي قام بالإسهام الأكبر في وجودها فإننا لا نستطيع أن نختصرها إلى أو نحدها فيما كتبه هذا الفرد بذاته، لأن ثمن ذلك سيكون عجزها الكامل. وكما لاحظ تروتسكي "الماركسية قبل كل شيء هي منهج في التحليل، ليس تحليل النصوص وإنما تحليل العلاقات الاجتماعية"([1]). يشير هذا الاقتباس من تروتسكي إلى اقتراح حل بديل للمشكلة وهو حل يتبناه الماركسي المجري جورج لوكاش، ففي كتاب "التاريخ والوعي الطبقي" تساءل لوكاش، ما هي الماركسية الأصيلة؟ وأجاب بما يلي:

"إن الماركسية الأصيلة لا تعنى تسليماً أعمى بنتائج بحث ماركس، ولا تعني الإيمان بنظرية أو بأخرى ولا تأويل كتاب مقدس، إن الأصالة نسبة إلى الماركسية ترجع على نقيض ذلك إلى المنهج بشكل حصري"([2]).

إن هذا طرح أكثر جدية حيث يأخذ في الاعتبار الحاجة إلى التطور، كما يحتوي على حقيقية هامة تتمثل في أن المنهج الجدلي أساسي في الماركسية بلا شك، ومع ذلك فان هذا الطرح لا يصلح كحل لمشكلتنا فليس من الممكن تطبيق مثل هذا الفصل الجاف بين منهج ماركس وبين تحليلاته الأخرى ولا اختزال المضامين الأساسية في المنهج فقط([3])، يتضح هذا من المثل الذي يضربه لوكاش لشرح فكرته:

"لو كان الافتراض، دون تسليم به، إن البحث المعاصر برهن على عدم صحة كل تأكيدات ماركس الخاصة بالفعل، فباستطاعة أي ماركسي أصيل رصين أن يسلم دون شرط بقبول هذه النتائج الجديدة ويرفض كل اطروحات ماركس الخاصة بالفعل دون أن يلزم إطلاقاً بان يتراجع عن ماركسيته الأصيلة"([4]).

لكن الواقع عكس ذلك تماماً، فإذا افترضنا على سبيل المثال، على عكس تحليلات ماركس لديناميكية التنمية الرأسمالية، إن الرأسمالية تطورت إلى شكل جديد من المجتمع البيروقراطي العالمي بلا تنافس وتناقضات داخلية مما حال دون إمكانية الاشتراكية أو البربرية، فمن الواضح إن الماركسية ستكون قد فندت في حين سيكون قد تم البرهان على صحة ما يذهب إليه أنصار مثل هذا الطرح—ماكس فيبر، برونو ريزي وجيمس بيرنهام—وكما استنتج تروتسكي عندما تناول هذا الطرح الافتراضي، لن يتبقى سوى الاعتراف بأن البرنامج الاشتراكي القائم على أساس التناقضات الداخلية للمجتمع الرأسمالي، قد انتهى بوصفه يوتوبيا([5]).

يبدو أن ما توحي به الحجة السالفة هو أن الماركسية يجب أن تعرف كمنهج مضاف إليه بعض التحليلات والقضايا الأساسية. إلا أن هذا الحل الظاهري ليس في الواقع إلا دفعاً للمشكلة خطوة للوراء، فبأي معيار يمكننا أن نقرر ما هي التحليلات والقضايا الأساسية، وما هي تلك الثانوية، فضلاً عن أن هذا المدخل يحمل في طياته خطر العصبوية النظرية، وهو تعريف الماركسية بأنها الخط السليم حول كل شيء، وبالتالي استنتاج أن روزا لوكسمبورج لم تكن ماركسية عندما اختلفت مع لينين حول الحزب، وان لينين لم يكن ماركسياً عندما قال بالطابع البرجوازي للثورة الروسية وهكذا.

لكن كيف نخرج خارج هذه الحلقة؟ ليس بمحاولة استخراج بعض الاطروحات من كتابات ماركس، وإنما باستخدام النظرية الماركسية؛ بالنظر إلى الماركسية ككل واحد.

الأساس الطبقي للماركسية
بالنسبة لماركس "ليس الوعي الاجتماعي هو الذي يحدد الوجود الاجتماعي، وإنما الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي الاجتماعي"([6])، وبالتالي فإن فهم وتعريف أي فلسفة أو نظرية أو أيديولوجية يستلزم، أولاً وأخيراً، توضيح الوجود الاجتماعي الذي يشكل أساسها. هكذا فان ماركس ينظر إلى الدين بصفة عامة باعتباره "الوعي الذاتي والإدراك الذاتي للإنسان الذي لم يتوصل بعد لنفسه، أو فقد ذاته مرة أخرى بالفعل"([7]). إن الدولة والمجتمع ينتجان موقف الدين المقلوب رأسا على عقب من العالم، لأنهما عالمان مقلوبان رأسا على عقب([8]). إن ماركس يكشف الأسرة الأرضية باعتبارها سر الأسرة المقدسة([9])، وبالمثل يحلل انجلز المسيحية الأولى بأنها ديانة العبيد والعبيد المتحررين، ديانة الأشخاص الخاضعين أو المشتتين بواسطة روما([10]). وفي البيان الشيوعي يعرف ماركس مدارس الاشتراكية القائمة (المختلفة) مباشرة بالإشارة للمصالح الطبقية التي تمثلها، معطياً إيانا على التوالي الاشتراكية الإقطاعية والاشتراكية البرجوازية الصغيرة والاشتراكية البرجوازية. وهكذا وفي تاريخ لاحق، بين تروتسكي أن مفتاح الأيديولوجية الفاشية بالإضافة إلى الحركة الفاشية يكمن في الوضع الطبقي للبرجوازية الصغيرة المعتصرة بين رأس المال والعمل. يمكن مضاعفة هذه الأمثلة بلا نهاية، ويجب تطبيق نفس منهج التحليل على الماركسية ذاتها—وهذا بالطبع ما فعله ماركس وأنجلز بنفسيهما.

يبدأ انجلز كتاب ضد دوهرنج بتأكيد "إن الاشتراكية الحديثة في مضمونها هي بالأساس نتاج إدراك الصراعات الطبقية القائمة في المجتمع الحديث بين الملاك وغير الملاك، بين الرأسماليين والعمال المأجورين من ناحية، والفوضى التي تحكم الإنتاج من ناحية أخرى"([11])، نستطيع أن نكمل صياغة انجلز بإضافة أن الماركسية هي إدراك هذه التناقضات من وجهة نظر البروليتاريا. وكما يقول ماركس في بؤس الفلسفة "مثلما أن الاقتصاديين هم الممثلين العلميين للطبقة البرجوازية، فان الاشتراكيين والشيوعيين هم منظرو الطبقة البروليتارية"([12]). ويقول في البيان الشيوعي، "النتائج النظرية للشيوعيين ليست على الإطلاق مبنية على أفكار أو مبادئ اخترعها أو اكتشفها هذا أو ذاك من المصلحين العالميين. إنها تعبر فقط بشكل عام، عن علاقات واقعية نابعة من صراع طبقي قائم، من حركة تاريخية تسير أمام أعيننا"([13]).

وورد في البيان الشيوعي أيضاً الفقرة الهامة التالية:

"يتميز الشيوعيون عن أحزاب الطبقة العاملة الأخرى فقط في الآتي: 1) في الصراعات الوطنية لبروليتاريي البلاد المختلفة، يحددون ويضعون في المقدمة المصالح المشتركة للبروليتاريا كلها. بصرف النظر عن الجنسية، 2) في المراحل المتعددة للتطور الذي يتعين أن يمر به صراع الطبقة العاملة ضد البرجوازية، يمثلون دائماً وفي كل مكان مصالح الحركة ككل"([14]).

إن هذه الفقرة توضح تعريف الماركسية كنظرية الطبقة العاملة بتقرير أن ما هو متضمن في هذه النظرية هو التعبير، لا عن مصالح هذا القطاع أو ذاك من الطبقة، وإنما عن مصالح الطبقة العاملة ككل بصرف النظر عن الجنسية، (ونستطيع أن نضيف اليوم بصرف النظر عن العنصر أو الجنس) وهي بالتالي تصلح كنقطة انطلاق لتحديد ونقد الانتهازية التي تكمن جذورها في التضحية بالمصالح الكلية للطبقة من اجل مصالح مؤقتة لمجموعات وطنية أو مهنية أو محلية معينة داخلها.

إن ما طرحناه ليس فقط تعريفاً اجتماعياً، وإنما تاريخياً أيضاً، فهو يفسر كيف ظهرت الماركسية في الوقت الذي ظهرت فيه، فقد وجد الاستغلال والقمع لآلاف السنوات كما وجدت الرأسمالية في صورها الأولية لقرون، إلا أنه لم يكن من الممكن للماركسية أن تظهر إلا عندما طورت الرأسمالية القوى الإنتاجية ومعها البروليتاريا إلى الحد الذي يسمح بإدراك إمكانية إسقاط الأخيرة للرأسمالية، وإذا نظرنا إلى سيرة حياة ماركس نلاحظ أنه لم يتوصل للماركسية إلا باتصاله بحلقات العمال الثوريين في باريس في أواخر عام 1843. في ذلك الوقت اكتشف ماركس "تكوين طبقة ذات روابط راديكالية"، وأعلن لأول مرة ولاءه للبروليتاريا التي عندما "تعلن القضاء على النظام العالمي القائم، فإنها تعلن فقط عن سر وجودها، الذي هو في الواقع القضاء على هذا النظام"([15]).

إن هذا المدخل فيما يتعلق بأصول الماركسية يختلف بوضوح عن طرح كاوتسكي—والذي كرره لينين في كتابه "ما العمل؟"—الاشتراكية يجب أن تأتي للطبقة من الخارج، فقد كتب كاوتسكي "إن الاشتراكية والصراع الطبقي ينشئان جنباً إلى جنب وليس واحد من الآخر...سيادة العلم ليس للبروليتاريا وإنما للانتلجنسيا البرجوازية"([16]). كما ذهب لينين إلى أنه "في روسيا نشأ مذهب الاشتراكية الديمقراطية النظري مستقلاً تماماً عن النمو التلقائي لحركة الطبقة العاملة. لقد نشأ كنتاج طبيعي وحتمي لتطور الفكر عند الانتلجنسيا الاشتراكية الثورية"([17]). لقد حاولت في موضع آخر أن أفند هذا الموقف، وأظهر نتائجه الضارة، واثبت انه كان يمثل فكر لينين فقط حتى تجربته مع الطبقة العاملة الثورية في 1905([18]).

يكفي أن نقول أن نظرية كاوتسكي—لينين هي نموذج للمادية التأملية التي نقدها ماركس في اطروحات حول فورباخ، ويعطي ماركس في البيان الشيوعي تفسيره الخاص لدور الانتلجنسيا الاشتراكية. يقوم قطاع من الطبقة الحاكمة "بالتحديد قسم من الأيديولوجيين البرجوازيين الذي رفعوا أنفسهم إلى مستوى الفهم النظري للحركة التاريخية ككل، بالانفصال عن طبقتهم ويذهبون إلى البروليتاريا"([19]). من الواضح أن المرء لا يستطيع أن يذهب إلى طبقة غير موجودة ولم تجعل بعد وجودها محسوساً في الصراع. وأخيراً، عندما نتناول الأساس الطبقي للماركسية ينبغي أن نؤكد على أن الماركسية، ليست فقط نظرية مقاومة البروليتاريا للرأسمالية ونضالها ضدها، وإنما أيضاً، وقبل كل شيء، نظرية انتصارها، لقد أوضح ماركس نفسه هذه النقطة عندما تنصل من أي فضل له في اكتشاف الطبقات والصراع الطبقي:

"لقد وصف مؤرخون برجوازيون قبلي بزمن بعيد التطور التاريخي لهذا الصراع الطبقي، كما شرح اقتصاديون برجوازيون التكوين الاقتصادي للطبقات، أما ما استحدثته أنا فهو: 1) برهنت على أن وجود الطبقات لا يرتبط إلا بأطوار التطور التاريخي الذي يحدده الإنتاج، 2) إن النضال الطبقي يؤدي بالضرورة إلى ديكتاتورية البروليتاريا، 3) إن هذه الديكتاتورية نفسها لا تكون إلا مرحلة انتقالية لإلغاء الطبقات والانتقال لمجتمع بدون طبقات"([20]).

يؤكد لينين الفكرة نفسها بشكل أقوى عندما يصر في الدولة والثورة على أن الماركسي ليس إلا شخصاً انتقل من الاعتراف بالصراع الطبقي إلى الاعتراف بديكتاتورية البروليتاريا. هذا هو المحك الذي ينبغي اختبار الفهم والوعي الحقيقي بالماركسية على أساسه([21])، لقد كان تأكيد لينين موجهاً بالأساس إلى كاوتسكي الذي انفق عقوداً مقدماً نفسه بوصفه الكلمة الأخيرة في الأصالة الماركسية، ومع ذلك أعطى ظهره للثورة العمالية الفعلية في روسيا. إلا أن تأكيد لينين يحتفظ بصلته الوثيقة بما يحدث اليوم، بحيث لا يوجد نقص في المثقفين المعنيين، بل والمنتمين إلى الماركسية كمنهج لتفسير المجتمع، والذين لا يظهرون أي اهتمام على الإطلاق بالنظرية، ولا يلتفتون بدرجة كافية إلى الممارسة الخاصة بالنضال من أجل سلطة العمال.

حتى الآن، اظهر تحليل الماركسية كنظرية للبروليتاريا أن هذا المفهوم يحتوي على ثلاثة عناصر: 1) الماركسية كنظرية للمصالح المشتركة للطبقة كلها عالمياً، 2) الماركسية كنتاج ميلاد البروليتاريا الحديثة وتطورات صراعها ضد الرأسمالية، 3) الماركسية كنظرية انتصار هذه الطبقة. إن التعريف الأكثر إيجازا لهذه العناصر الثلاثة هو أن الماركسية هي: نظرية الثورة البروليتارية العالمية.

المكانة العلمية للماركسية
بالنسبة لكثير من الناس، يتنافى تعريف الماركسية بأنها نظرية طبقة اجتماعية معينة مع ادعائها بأنها نظرية علمية. تسير الحجة في الاتجاهين، فمن ناحية هناك من يعترفون بأن الماركسية قائمة على أساس مجموعة اجتماعية محددة وبالتالي ينكرون مكانتها كعلم. في طليعة ممثلي وجهة النظر هذه عالم الاجتماع كارل مانهايم([22]). ومن ناحية أخرى هناك الذين يرون الماركسية كعلم وبالتالي ينكرون اشتقاقها من وجهة نظر الطبقة العاملة. وأكثر أنصار هذا الرأي أهمية من المعاصرين هو لويس التوسير الذي يرى أن مثل هذا التعريف يختزل الماركسية إلى مستوى الأيديولوجية. هذه الاعتراضات هي نتاج خلط مزدوج، أولا فيما يتعلق بطبيعة العلم الطبيعي، وثانياً فيما يتعلق بعلاقة العلم الطبيعي بالعلم الاجتماعي.

ينظر إلى العلم الطبيعي على أنه مصدر لمعرفة دقيقة (موضوعية) وغير محددة اجتماعياً، وبالتالي فهو يتخذ كنموذج للعلم الاجتماعي (الموضوعي) إلا أن هذا الرأي حول العلم الطبيعي هو نفسه نتاج اجتماعي. فهو في التحليل الأخير مشتق من التحالف بين العلم والبرجوازية الذي كان ضرورياً من أجل المعركة ضد الإقطاع ومن أجل تطوير الصناعة الحديثة. فمثلما صورت البرجوازية قوانين الرأسمالية على أنها طبيعية وخالدة، فقد صورت البرجوازية إنجازات العلم على أنها حقيقة مطلقة. إلا أن تاريخ العلم يظهره كسلسلة من الحقائق النسبية المؤقتة يتم إنتاجها بدافع حاجات إنسانية عملية متطورة والتي تبرهن بدورها على صحتها عمليا، أي بتوفير إمكانية أداء مهام محددة([23])، بالتالي فالعلم الطبيعي ليس مطلقاً وإنما تاريخي ومتغير.

يخضع العلم الاجتماعي بكامله، بما في ذلك الماركسية، لنفس تلك القيود بالطبع إلا أن هناك أيضاً فارقاً أساسياً بين العلم الطبيعي والعلم الاجتماعي. يمتلك العلم الطبيعي موضوعية ليست متاحة للعلم الاجتماعي([24]). هناك سببان أساسيان لذلك:

المعرفة هي دائماً علاقة بين العارف والمعروف، بين الذات والموضوع. في العلم الطبيعي، موضوع المعرفة هو الطبيعية الموجودة خارج الإنسان، إلا أن المجتمع هو البشر، انه مجموع العلاقات الإنسانية([25]). إن الطبيعية وقوانينها ليست من خلق الإنسانية على عكس المجتمع والقوانين الاجتماعية. وفي إمكان الرجال والنساء أن يغيروا عالم الطبيعية، ولكن فقط على أساس قوانين طبيعية لا يمكن تغييرها. أما القوانين الاجتماعية فيمكن تغييرها، ونتيجة هذه الفوارق هي أن الناس جميعاً لديهم على وجه التقريب نفس العلاقة بقوانين الطبيعة، إلا أن لديهم علاقات مختلفة بوضوح بقوانين المجتمع. هكذا على أساس قانون الجاذبية سيصطدم العامل والرأسمالي الساقطين من برج بيزا المائل بالأرض بنفس السرعة وبنفس النتائج، إلا أن قانون القيمة ليس له نفس النتائج بالنسبة للعامل والرأسمالي، أنه ينتج الفقر لأحدهما والغني للآخر، ولهذا السبب فان فكرة علم طبيعي بروليتاري في مواجهة البرجوازي هي قطعة من الهراء الستاليني([26])، ولكن، "توقع أن يكون العلم الاجتماعي عبودية الأجر هو بنفس سخافة وسطحية توقع الحياد من أرباب الأعمال حول مسألة ما إذا كان ينبغي زيادة أجور العمال عن طريق تخفيض أرباح رأس المال"([27]).

إن هدف المعرفة هو المساعدة في تغيير الواقع. ينطبق هذا بنفس القدر على العلم الطبيعي والاجتماعي. البرجوازية لها مصلحة في تغيير العالم الطبيعي، أنها في الواقع مدفوعة باستمرار لتغييره، من أجل تراكم رأس المال، أنها تحتاج بالتالي إلى العلم الطبيعي. أما فيما يتعلق بالمجتمع، فالمصلحة الحقيقية للبرجوازية ليست في تغييره بل في الإبقاء عليه كما هو وبالتالي فحاجة البرجوازية ليست للمعرفة الاجتماعية، وإنما التبرير الاجتماعي، أي الأيديولوجية([28]). هكذا فان الكثير مما يؤخذ على أنه علم اجتماعي برجوازي ليس علماً من أي نوع، وإنما ببساطة تبرير وتعمية. (تعد نظرية المنفعة الهامشية في القيمة في الاقتصاد ونظرية التعددية في القوة السياسية أمثلة جيدة).

بالطبع تحتاج البرجوازية أن تغير المجتمع داخل حدود معينة، حدود نمط الإنتاج الرأسمالي، وبالتالي يوفي العلم الاجتماعي البرجوازي قدراً محدداً من المعرفة الحقيقية – معرفة يمكن استخدامها ضد الرأسمالية – ولكن هذه المعرفة دائماً ما توضع داخل إطار نظري يعوق الفهم الحقيقي للمجتمع ككل. الطبقة الوحيدة التي لها مصلحة في، وقدرة على، التوصل لفهم المجتمع ككل، هي الطبقة التي لها مصلحة في، وقدرة على، تغييره ككل—وهي البروليتاريا. وكما ذكر ماركس، "إن وجود أفكار ثورية في فترة معينة يفترض وجود طبقة ثورية"([29]). هكذا فان الأساس الطبقي للماركسية لا يقلل من مكانتها كعلم، بل على العكس من ذلك هو بالضبط ما يجعل طابعها العلمي ممكناً.

وهناك حجة أخرى ضد هذا الرأي، وهي في الواقع امتداد للحجة التي تناولناها أعلاه، هي أنه يضيق ويحد بشكل خاطئ من قابلية الماركسية للتطبيق. تقدم بهذه الحجة لوكاش في كتاباته المتأخرة. في دراسته للينين عام 1924 بدأ لوكاش بهذه الجملة "المادية التاريخية هي نظرية الثورة البروليتارية"([30])، ولكنه يتخلى عن هذه الفكرة في التذييل الذي كتبه عام 1967 واصفاً إياها بأنها نتاج أفكار ذلك الوقت، كما يعترض على محاولة اختزال الشمول الاجتماعي للمادية التاريخية إلى بعد واحد وعرقلة ثورتها الحقيقية والمنهجية بواسطة مثل هذا التعريف([31]).

هذا الاعتراض مخطئ لان تعريف الماركسية كنظرية طبقية لا يحصرها بأي حال من الأحوال في تحليل الصراع البروليتاري فقط أو حتى المجتمع الرأسمالي فقط (وان كان ذلك بالطبع مهمتها الرئيسية). من الممكن تماماً تحليل التاريخ الإنساني بأكمله من وجهة نظر البروليتاريا. خذ على سبيل المثال مقال إنجلز حول "الدور الذي لعبه العمل في الانتقال من القرد إلى الإنسان" فالفكرة الأساسية لهذا لمقال هي "أن العمل هو الشرط الأساسي الأول لكل الوجود الإنساني...وأن العمل بمعني ما...خلق الإنسان نفسه"([32]). لم يكن من الممكن التوصل لذلك إلا من خلال فهم عمل الطبقة العاملة الحديثة([33]). وبالفعل فقد تم اشتقاق الفكرة بهذه الطريقة حيث نجدها بشكل جنيني في مخطوطات 1844 والأيديولوجية الألمانية([34])، أي قبل قيام ماركس وإنلجز بأية أبحاث أنثروبولوجية، وقبل دارون.

فضلاً عن ذلك، يقوم إنجلز في المقال نفسه بالإشارة إلى الاستنتاج السياسي النابع من طرحه، ألا وهو ضرورة ثورة كاملة في نمط الإنتاج القائم([35]). إن الشمول الاجتماعي الذي يطلبه لوكاش تمتلكه الماركسية بالضبط لأنها قائمة على مصالح البروليتاريا، الطبقة الشاملة، شاملة بمعنى أنها حاملة مستقبل وتحرر الإنسانية كلها—بحكم عدم احتياجها لطبقة فوقها تحكمها أو طبقة تحتها تقوم هي باستغلالها فهي قادرة على أن تكون محررة لكل الإنسانية. إن اعتراض لوكاش لا يعني أنه فهم الماركسية بشكل أعمق وإنما يعني ببساطة تخليه عن الموقف الطبقي الثوري من خلال استيعابه في الستالينية.

من الممارسة إلى النظرية: وحدة الماركسية
لاستكمال البرهنة على أن جوهر الماركسية، هو التعبير النظري عن الثورة البروليتارية، من الضروري التدليل على الصلات بين ظروف وجود البروليتاريا والمهام التي تواجهها في الصراع (الممارسة الاجتماعية التي هي البروليتاريا) من جانب، والمقولات الأساسية للنظرية الماركسية من جانب آخر. لكن القيام بهذا بشكل شامل وصارم غير ممكن في هذا المقال، انه يقتضي مجلدا على الأقل. فكل ما نستطيع عمله هو أن نتعقب الخطوط العامة لبعض أهم هذه الصلات.

دعونا نبدأ بتلك الجوانب التي يمكن تسميتها بالمبادئ السياسية والبرنامج الأساسي للماركسية. أولاً، الأممية. فلا شك أن الأممية تلعب دورا مركزيا في فكر ماركس، إلا أن الأممية الماركسية لا تدين بأي شيء لالتزام أخلاقي مجرد إزاء الأخوة الأممية للشعوب([36]). (وهذا في الحقيقة التزام ليبرالي برجوازي). بل تجد جذورها في وجود البروليتاريا كطبقة دولية نشأت بواسطة السوق الرأسمالي العالمي، ومنخرطة في صراع أممي ضد هذا النظام. كثيرا ما انتقد القول في البيان الشيوعي بأن العمال لا وطن لهم، وان الفروق والعداءات الوطنية بين الشعوب تذوب أكثر وأكثر يومياً، بفضل نمو البرجوازية، وحرية التجارة والسوق العالمي، والتماثل في أنماط الإنتاج، وظروف الحياة المقابلة لكل ذلك، أقول انه كثيرا ما انتقد هذا القول على انه مبالغة أو خطأ سافر، في ضوء استمرار قبضة الأيديولوجية الوطنية على البروليتاريا، ومع ذلك فهو يظل صحيحاً على مستويين. أولاً، كتقرير لنزعه وليس واقعا محققا، وثانياً، كتقرير عن البروليتاريا بالنسبة للطبقات الاجتماعية الأخرى. ما هو مشترك اليوم بين أنماط الإنتاج (والثقافة) في اليابان والبرازيل وبريطانيا أكثر بمراحل مما كان عليه منذ قرن. فيما يتعلق بالفلاحين، فلم يكن من الممكن حتى الحديث بجدية عن وعي أو تنظيم أممي، كما أن أممية البرجوازية، رغم خلقها للاقتصاد العالمي، ووفرة المنظمات الدولية الخاصة بها، تظل أدنى كيفيا من الإمكانية الأممية للبروليتاريا. فأعلى مستوى يمكن أن ترقى إليه هو الكتلة أو التحالف الدولي المقام ضد كتل دولية متنافسة. وحتى هذه الكتل تضطرب باستمرار بفعل العداءات الوطنية.

إن الطابع الأساسي للأممية الماركسية هو—كما لاحظنا—أولوية الكل (مصالح الطبقة العاملة العالمية) على الجزء. لنجعل هذا الكلام ملموسا: نقول أن العامل الثوري الذي لم يترك بلدته على الإطلاق، ويتحدث بلغته الأم فقط، ومع ذلك يعارض حكومته في وقت الحرب هو أكثر أممية بكثير من الأستاذ المتعلم الذي سافر عبر العالم، ويتحدث أكثر من ست من اللغات، ومتعمق في معرفته بالثقافات المختلفة، ومع ذلك يؤيد حكومته في وقت الحرب. مرة أخرى، بسبب أولوية الكل، فالأممية الماركسية متوافقة تماما، مع الاعتراف بحق تقرير المصير الوطني وتأييد صراعات التحرر الوطني، إذا كانت مصلحة الطبقة العاملة العالمية تقتضيه([37]).

ثانياً، خذ مبدأ ملكية الدولة لوسائل الإنتاج. يرى الكثيرون (خاصة البرجوازية، ولكن أيضاً بعض مدعي الماركسية) إن هذا هو المبدأ الأساسي للماركسية والاشتراكية بصفة عامة وهم يفكرون عامة كالآتي: الرأسمالية التي تساوي الملكية الفردية، غير عاقلة وظالمة، وتسبب الأزمات الاقتصادية والفقر والحروب، الخ. أما إذا كان الإنتاج مملوكاً للدولة، وكان هناك تخطيط من الدولة للاقتصاد، سيكون هذا ترتيباً أفضل وأكثر عقلانية، على وجه الإجمال، وستنتهي هذه الشرور. ينظر بعد ذلك إلى صراع البروليتاريا كوسيلة يمكن عن طريقها لهذا الهدف أن يتحقق. حتى إذا استطاعت وسيلة أخرى أن تقدم نفسها نحو هذا الهدف، مثل حرب العصابات الفلاحية أو التشريع البرلماني، فان هذا لا يغير من الأمر شيئاً.

إن التفكير الماركسي مختلف تماماً، فالبروليتاريا محبوسة في صراع طبقي ضد البرجوازية التي تستغلها وتقمعها، والطريقة الوحيدة لانتصارها في هذه المعركة وتحريرها لنفسها هي الانتصار على البرجوازية سياسيا والاستيلاء على وسائل الإنتاج، وهي لا تستطيع أن تفعل ذلك إلا بخلق دولتها. وهكذا تطرح القضية في البيان الشيوعي:

"لقد رأينا أعلاه إن الخطوة الأولى في ثورة الطبقة العاملة، هي رفع البروليتاريا إلى وضع الطبقة الحاكمة، أي كسب معركة الديمقراطية. ستستخدم البروليتاريا تفوقها السياسي، لتنتزع على مراحل كل رأس المال من البرجوازية، ولتركيز كل وسائل الإنتاج في أيدي الدولة، أي البروليتاريا المنظمة كطبقة حاكمة، ولزيادة مجموع القوى الإنتاجية بأسرع ما يمكن".

فبالنسبة لأنصار اشتراكية الدولة، يكون الهدف هو ملكية الدولة، والطبقة العاملة هي الوسيلة، أما بالنسبة للماركسية يكون الهدف هو تحرر الطبقة، وملكية الدولة هي الوسيلة. إن الفرق بين ما أسماه هال دريبر "روحي الاشتراكية"، كان له أهمية ضخمة في المائة عام الأخيرة، وسنعود إليه مراراً وتكراراً.

الهدف النهائي للماركسية—المجتمع اللاطبقي—هو بالطبع أمنية إنسانية قديمة. ما يميز الماركسية هو أنها تطرح المجتمع اللاطبقي، كإمكانية واقعية، من تطور البروليتاريا، فهي "طبقة لا تستطيع بحكم وضعها الكلي في المجتمع أن تحرر نفسها إلا بالإلغاء التام لكل حكم طبقي وكل عبودية وكل استغلال"([38])، لنستشهد بالبيان الشيوعي مرة أخرى:

"كل الطبقات السابقة التي نالت اليد العليا، حاولت أن تحصن مكانتها المكتسبة بالفعل عن طريق إخضاع المجتمع ككل لظروف استيلائها، لا يستطيع البروليتاريون أن يصبحوا سادة القوى الإنتاجية في المجتمع إلا بإلغاء خط الاستيلاء السابق الخاص بهم، وبذلك إلغاء كل أنماط الاستيلاء السابقة أيضاً. ليس لديهم شيء خاص بهم لتأمينه أو تحصينه، رسالتهم هي إلغاء كل التأمينات والضمانات السابقة للملكية الفردية".

فيما يتعلق بالنظرية، لم يكن الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية—ديكتاتورية البروليتاريا— (كما أشرنا) سوى مد الصراع الطبقي البروليتاري إلى نقطة الانتصار. ومع ذلك، فان الشكل المحدد لهذه الديكتاتورية، لم يكتشفه ماركس أو أي منظر ماركسي آخر، وإنما اكتشفه العمال الثوريون أنفسهم، أولا بواسطة العمال الباريسيين في كوميونة عام 1871 الذين بينوا أنه من الضروري تدمير جهاز الدولة القائم وليس الاستيلاء عليه، والذين أشارت ممارستهم إلى المبادئ الأولى للديمقراطية العمالية—حصول جميع المسئولين على أجور العمال وانتخاب واستدعاء جميع المندوبين واستبدال الجيش النظامي بالعمال المسلحين، الخ. ثانياً، بواسطة عمال بتروجراد (ثم كل روسيا) الذين خلقوا الشكل التنظيمي الفريد في قدرته إلى التعبير عن سلطة العمال—السوفيت.

إن الفضل العظيم للسوفيت هو أنه لم يقم على أساس العامل كمواطن فرد في منطقة جغرافية ما، وإنما على أساس العامل كجزء من جماعة في وحدات الإنتاج، وأنه ينشأ داخل الرأسمالية كتطور طبيعي لصراع العمال ضد الرأسمالية وكانت نقطة انطلاقه التاريخية هي لجنة إضراب موسعة. ويجب أن نلاحظ أيضاً أن النظرية الماركسية حول المسألة (الحرب الأهلية في فرنسا، الدولة والثورة، ومقالات جرامشي في جريدة اوردينو نوفو) هي تعميم مباشر لأكثر تجارب الطبقة تقدماً.

ينبغي أن نتحول الآن من برنامج الماركسية إلى أسسها النظرية: الفهم المادي للتاريخ والتحليل النقدي للرأسمالية.

ما هو أساس المادية التاريخية؟ يمكن الاقتراب من السؤال تحليلياً (بتناول مفاهيم ومقولات هذه النظرية) أو تاريخياً (بتتبع تكوينها وتطورها في كتابات ماركس). المنهج التحليلي هو الأكثر أهمية حيث أن التكوين التاريخي لنظرية قد يتضمن كل أنواع العوامل والتحولات العرضية.

فلنبدأ بمسألة المادية في مقابل المثالية. إن المثالية، وهي الاعتقاد بأولوية العقل (الروح، المثل، الله، الخ) على المادة، والفهم المثالي للتاريخ (التاريخ باعتباره محددا بتطور الأفكار، والوعي، الخ) لهما أساس مادي. أنه يكمن في تقسيم العمل الذهني واليدوي، وظهور طبقة حاكمة متحررة من العمل اليدوي—أي أنها تحيى من عمل الآخرين.

لا يصبح تقسيم العمل حقيقياً إلا منذ لحظة تقسيم العمل المادي والذهني (في نفس الوقت يظهر الشكل الأول من الأيديولوجيين، الكهنة). ابتداء من هذه اللحظة يستطيع الوعي أن يبالغ في إطراء نفسه بأنه شيء آخر غير الوعي بالممارسة القائمة، وانه يمثل شيئاً حقيقياً دون أم يمثل شيئاً واقعياً، منذ هذا الوقت، يتكون الوعي في الوضع الذي يسمح له بتحرير نفسه من العالم والبدء في تكوين النظرية "النقية" واللاهوت والفلسفة والأخلاق، الخ([39]).

على العكس من ذلك المادية هي النظرية (الطبيعية) لطبقة منتجة تصارع من اجل تحررها([40]). إلا أننا بالطبع لا نستطيع أن نوحد بين المادية التاريخية والمادية—لقد سبقت المادية الماركسية بأكثر من ألفي سنة، وفي القرن الثامن عشر كانت المادية هي وجهة نظر البرجوازية الصاعدة، ما الذي يفرق المادية البرجوازية عن المادية الماركسية؟ هكذا عبر ماركس عن هذا الفارق:

"الخطأ الأساسي لكل نزعة مادية في الماضي (بما في ذلك مادية فورباخ) هو أن الواقع والعالم الحسي كان ينظر إليها فقط على شكل موضوع التأمل وليس كنشاط إنساني ملموس في ميدان العمل، ليس ذاتياً"([41]).

بتعبير آخر، المادية البرجوازية هي مادية ميكانيكية. إنها تعامل الكائنات البشرية على أنهم سلبيون، كأنهم مجرد نتاج للظروف المادية، كأشياء. هي بقيامها بذلك إنما تعكس الوضع الفعلي للرجال والنساء في المجتمع الرأسمالي—العامل كملحق للآلة والعمل كعنصر للإنتاج معادل للعناصر الأخرى (الأرض والآلات، الخ) العمل الحي بوصفه خاضعاً للعمل الميت وجزاً منه، المادية الميكانيكية مع ذلك غير قادرة على الاتساق الكامل، فهي في شكلها المتسق تكون حتمية وجبرية كاملة، والفعل في العالم مستحيل على هذا الأساس. وبالتالي فهي تحتوي دائماً على فقرة استثناء لنفسها خفية بدرجة أو بأخرى، تعيد المثالية الدخول بواسطتها من خلال الباب الخلفي، باعتبارها معرفة أو علم أو أحياناً "إرادة" النخبة:

العقيدة المادية المتعلقة بتغير الظروف والتنشئة، تنسى أن الظروف تتغير بواسطة الناس وانه من الضروري تعليم المعلم نفسه لابد لهذه العقيدة إذن أن تقسم المجتمع إلى جزأين أحدهما متفوق على المجتمع([42]).

تغلب ماركس على هذا التناقض من خلال مفهوم الممارسة، "إن اتفاق تغيير الظروف مع النشاط الإنساني، أو التغيير الذاتي، لا يمكن إدراكه وفهمه عقلانياً إلا كممارسة ثورية"([43]). لقد كان النموذج، بالنسبة لمفهوم الممارسة هذا، هو العمل الإنساني، الوسيلة التي تشكل وتغير بها الإنسانية الطبيعية، وتخلق نفسها. يقول ماركس إن إنجاز هيجل المتميز:

هو أولاً أن هيجل يستوعب الخلق الذاتي للإنسان كعملية...وانه يستوعب طبيعة العمل، ويفهم الإنسان الموضوعي (الإنسان الحقيقي لأنه واقعي) كنتيجة لعمله([44]).

ويواصل ماركس قائلاً: "إلا أن العمل كما يفهمه ويعترف به هيجل هو العمل العقلي المجرد"([45]). استطاع ماركس أن يتخطي هيجل، وان يوقفه على قدميه ويعترف بالنشاط كنشاط عملي ملموس، باعتباره أساس الإنسان والتاريخ "الحقيقية البسيطة التي أخفيت في الماضي بفعل تضخم الأيديولوجيا"([46]) لأنه، وفقط لأنه، رأي في البروليتاريا، أول طبقة منتجين مباشرين، قادرة على أن تحول المجتمع وتصبح سيدته. هذا الفهم لدور العمل والإنتاج يشكل نقطة الانطلاق المنهجية والإمبريقية للنظرية الماركسية في التاريخ. فمنه تم تطوير المفاهيم الماركسية الأساسية "قوى الإنتاج" و "علاقات الإنتاج" و "نمط الإنتاج" التي تبلغ أوجها بدورها في نظرية الثورة الاجتماعية:

:في الإنتاج الاجتماعي لحياتهم، يدخل الناس في علاقات محددة، تتسم بالضرورة والاستقلالية عن إرادتهم، علاقات إنتاج تقابل مرحلة محددة في تطور قواهم الإنتاجية المادية، يكون المجموع الكلي لعلاقات الإنتاج هذه، الهيكل الاقتصادي للمجتمع الأساس الحقيقي الذي يقوم عليه بناء فوقي قانوني وسياسي، والذي تقابله أشكال محددة من الوعي الاجتماعي في مرحلة معينة من تطورها، تتناقض قوي الإنتاج المادية مع علاقات الإنتاج القائمة أو—وهذا مجرد تعبير قانوني عن نفس الشيء— مع علاقات الملكية التي كانت قوى الإنتاج تعمل في ظلها في السابق، تتحول هذه العلاقات من أشكال لتطور قوى الإنتاج إلي قيود لها...هكذا يبدأ عهد الثورة الاجتماعية([47]).

عند هذه النقطة ينبغي أن نزيل خلطا هاما. لقد تعرضت المادية التاريخية كثيرا لتشويه مادي ميكانيكي تفسر جدلية قوى وعلاقات الإنتاج في إطاره كمجرد تضاد بين وسائل الإنتاج التقنية (القوى) ونظام الملكية (العلاقات)، وهو تضاد يحدث بشكل مستقل عن النشاط الإنساني، وبذلك يتم التوصل إلى نظرة حتمية تكنولوجية. في هذا التفسير يتم اختزال معنى مفهومي ماركس الأساسيين، بالنسبة لماركس قوى الإنتاج تعني ليس فقط الوسائل بمعني الأدوات والآلات، الخ. وإنما القدرة الإنتاجية الإجمالية للمجتمع، بما في ذلك النشاط الإنتاجي للطبقة العاملة، "من بين كل وسائل الإنتاج، القوى الإنتاجية الأعظم هي الطبقة الثورية نفسها"([48]). علاقات الملكية من جهة أخرى، ما هي إلا تعبيرا قانونيا عن علاقات الإنتاج، هكذا فإن التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، ليس منفصلا عن الصراع الطبقي وإنما هو الأرضية ذاتها التي ينشأ الأخير على أساسها.

هذا البرهان النظري على أن المادية التاريخية هي التاريخ منظور إليه من وجهة نظر البروليتاريا هو أهم، كماأشرنا، من مسألة كيفية تطوير ماركس للنظرية، ولكن في الواقع هناك توازي شبه تام بين تكوينها التاريخي ومنطقها النظري. إن أول عرض شامل للمادية التاريخية كان الأيديولوجية الألمانية في 1845، وقد سبق هذا العمل مباشرة، نصان هامان هما، المخطوطات الاقتصادية والفلسفية 1844 ومقدمة نقد فلسفة الحق لهيجل. تبدأ مخطوطات 1844 ليس بالفلسفة أو الاغتراب وإنما بالصراع الطبقي، تقول جملة الافتتاح "تحدد الأجور بواسطة الصراع المر بين الرأسمالي والعامل"([49])، والتحليل الاقتصادي الذي يلي ذلك هو بمعايير ماركس اللاحقة، بدائي، ولكن ماركس يطرحه صراحة من وجهة نظر العامل، انه يهدف إلى إظهار أن:

"العامل ينخفض إلى مستوى السلعة، وهي سلعة شديدة البؤس أيضاً، وان بؤس العامل يزداد مع قوة وحجم إنتاجه، وان النتيجة الضرورية للمنافسة هي تراكم رأس المال في أيدي قليلة، وبالتالي إعادة الاحتكار بشكل شديد الفظاعة، وأخيراً إن التفرقة بين الرأسمالي ومالك الأرض، وبين العامل الزراعي والعامل الصناعي، يجب أن تختفي لكي ينقسم المجتمع كله إلى طبقتين، هما الملاك والعمال الذي لا يمتلكون شيئاً"([50]).

في محاولة تفسير هذا الوضع، يحلل ماركس طبيعة عمل العمال. ينتج العمال ثروة الرأسماليين وبؤسهم هم، لأن عملهم مغترب، هكذا يصل ماركس إلى فهم الطابع المزدوج للعمل، العمل باعتباره الوسيلة التي يخلق الناس بها حياتهم وعالمهم، والعمل المغترب باعتباره الوسيلة التي يفسدون بها حياتهم ويخلقون بها عالما يقف فوقهم وضدهم وهو دور مزدوج يحمل ضمنياً إمكانية التحرر الإنساني، مع إلغاء العمل المغترب، وهو بذلك يشير بنقطة انطلاقة وكذلك نتيجة الفهم المادي للتاريخ.

ومع ذلك فإذا رجعنا خطوة أخرى إلى الوراء، إلى مقدمة نقد فلسفة الحق لهيجل (أوائل 1844) فإننا نجد بالفعل ما يبدو بعد ذلك كنتيجة تحليل العمل المغترب ونتيجة المادية التاريخية، نعني الدور الثوري للبروليتاريا، "عندما تعلن البروليتاريا القضاء على النظام الاجتماعي القائم، فإنما تعلن فقط عن سر وجودها، إذ أنها في الواقع القضاء على هذا النظام"([51])، وكما رأينا من قبل فان إدراك ماركس لهذا الدور، كان هو نفسه نتاجاً لخبرته مع حلقات العمال الثوريين في باريس. هكذا فمن الناحية النظرية والحياتية، يمكن تعقب فهم ماركس العام لتاريخ المجتمع إلى أساسه المادي—النضال البروليتاري.

التحليل الماركسي للرأسمالية الذي يشار إليه عادة بالاقتصاد الماركسي، مع انه في الواقع "نقد للاقتصاد السياسي" كان مقصوداً منه إعطاء أساس علمي راسخ للحركة العمالية عن طريق كشف قانون حركة نمط الإنتاج الرأسمالي. من البديهي أن التحليل كله يتم القيام به من وجهة نظر الطبقة العاملة الثورية، فتعميماته الأساسية تتضمن: تفسير لكيفية استغلال العمال كدليل على أن النظام كله قائم على هذا الاستغلال، وتوقع أن هذا النظام يجب بالضرورة أن ينهار لأنه قائم على الاستغلال([52]). ولكن لأن هذا الجانب من الماركسية كثيراً ما تم تقديمه على انه (موضوعي "متجرد من القيم") متجرد من الطبقات، فانه هناك ما يبرر بعض الملاحظات حول تكوين ومنطق نقد ماركس للاقتصاد السياسي. انه بالطبع تطبيق النظرية المادية التاريخية على نمط الإنتاج الرأسمالي، ويجد جذوره—مثل المادية التاريخية—في تحليل العمل([53])؛ تحليله كعمل مغترب. لا يمكن المبالغة في القول بأن نظرية ماركس في الاغتراب ليست نظرية حول شعور العامل نحو العمل، أو الحالة العامة للوعي الإنساني، وإنما نظرية عمل مغترب، أي عمل يجبر العامل على أداءه لآخر، على بيعه. العمل المغترب هو العمل الأجير، ليس مجرد حالة ذهنية وإنما واقع اقتصادي([54])، إلا أنه أيضاً واقع اقتصادي لا يمكن إدراكه إلا بالنظر للعمل من وجهة نظر العامل. وبالفعل، فقد كان ماركس أول فيلسوف وأول اقتصادي في تاريخ العالم يحلل عملية العمل من وجهة نظر العامل. يمكن أن نرى مدى مركزية نظرية العمل المغترب بالنسبة للتحليل الماركسي للرأسمالية من اثنين من أطروحات ماركس. أولا أنه "على الرغم من انه يبدو أن الملكية الفردية، هي أساس وسبب العمل المغترب، فإنها في الواقع نتيجة للأخير"([55])، ثانيا أن ما يميز الرأسمالية تحديداً هو أن قوة العمل تصبح سلعة في ظلها.

يوجد طريق نظري طويل بين مخطوطات 1844 ورأس المال وبين العمل المغترب ونظرية فائض القيمة. انه طريق يتحول خلاله النقد العام المبكر للرأسمالية من خلال الجهد المضني، إلى أداة تحليلية دقيقة لكشف جميع آليات الاقتصاد الرأسمالي. إلا أنه خلال هذه العملية لا يتم نسيان أو رفض المفهوم الأصلي. انه يبقي في قلب التحليل. انظر الفقرات التالية:

"كل هذه النتائج ناتجة عن أن العامل يتصل بناتج عمله كشيء غريب. حيث من الواضح بناء هذا الافتراض انه كلما زاد العامل من عمله، كلما زادت قوة عالم الأشياء التي يخلقها في مواجهة ذاته وأصبح أشد فقرا في حياته الداخلية. وأقل انتماء لنفسه، الأمر مماثل تماماً للدين، كلما زاد ما ينسبه الإنسان من نفسه لله، كلما قل ما يتبقى له في حياته"([56]).

كيف يكون الأمر على خلاف هذا، في نمط إنتاج يحيا فيه العامل لتلبية حاجات النمو الذاتي للقيم القائمة، بدلاً من—على العكس من ذلك—أن توجد الثروة المادية لتلبية حاجات تطور العامل. وكما أن الإنسان في العالم الديني، يسيطر عليه نتاج دماغه، كذلك هو في الإنتاج الرأسمالي يسيطر عليه نتاج يده([57]).

في قوانين الاقتصاد السياسي، يتم التعبير عن اغتراب العامل في عمله بالطريقة التالية "كلما بلغ إنتاج العامل أكثر، كلما قل استهلاكه، كلما خلق قيمة أكثر، كلما انخفضت قيمته، كلما ازداد إنتاجه تهذيباً. كلما ازداد العامل فجاجة وتشوها، كلما ازداد الإنتاج تحضراً، كلما ازداد العامل بربرية، كلما أصبح العمل أقوى. كلما ازداد العامل ضعفاً كلما أظهر العمل ذكاء أكثر، كلما انخفض ذكاء العامل وأصبح عبداً للطبيعة"([58]).

...جميع طرق زيادة الإنتاجية الاجتماعية للعمل، داخل النظام الرأسمالي، تأتي على حساب العامل الفرد. جميع وسائل تنمية الإنتاج تتحول إلى وسائل للسيطرة على المنتجين واستغلالهم، وهي تجعل من العامل إنساناً مبتوراً وتنخفض به إلى مستوى ملحق بالآلة وتدمر كلما يتبقى من جاذبية في عمله، وتحوله إلى كدح مكروه، كما تجعله في اغتراب عن الإمكانيات الثقافية لعملية العمل، بمقدار ما يندمج العلم في هذه العملية كقوة مستقلة، وهي تشوه الظروف التي يعمل في ظلها وتخضعه أثناء عملية العمل لاستبداد كريه جداً لحقارته، وهي تحول حياته بكاملها إلى وقت عمل، وتطرح زوجته وأولاده تحت عجلات آلة الكون الخاصة برأس المال([59]).

الفقرات (1)، (3) من مخطوطات 1844 و(2)، (4) من رأس المال بعد عشرين سنة الفكرة الأساسية نفسها...بل وأحياناً بنفس اللغة تقريباً. وما هذه إلا بعض الفقرات العديدة التي يمكن اقتباسها من جميع أعمال ماركس النظرية، من الايدولوجية الألمانية إلى نظريات فائض القيمة([60]).

وأخيراً، بعض الملاحظات حول النظرية الماركسية في الأزمة، وخاصة الجزء الأكثر أهمية فيها، انخفاض معدل الربح. إن ميل معدل الربح للانخفاض ليس أطروحة فردية منعزلة يمكن تجريدها من باقي فكر ماركس، وإنما هو نقطة التقاء لكل نظرياته الكبرى، انه اشتقاق مباشر من نظرية فائض القيمة التي تقول أن مصدر الربح هو وقت العمل غير المدفوع للعمال، ومن أطروحة خضوع العمل الحي بشكل متصاعد—في ظل الرأسمالية—لسيطرة العمل الميت المتراكم (وهي فكرة موجودة منذ 1844). في الوقت نفسه هو التعبير الاقتصادي الملموس عن النزاع بين قوى وعلاقات الإنتاج—إثبات أن علاقات الإنتاج الرأسمالية أصبحت قيدا على قوى الإنتاج، وان "العقبة الحقيقية أمام الإنتاج الرأسمالي هي رأس المال ذاته"([61])، فضلاً عن ذلك، وهكذا يعيدنا إلى نقطة البداية، لم يكن من الممكن صياغة هذه النظرية إلا من وجهة نظر البروليتاريا، فقد لاحظ الاقتصاديون البرجوازيون الكلاسيكيون ظاهرة انخفاض معدل الربح ولكنهم عجزوا عن تفسيرها، حيث أن قيامهم بذلك كان يقتضي الاعتراف بالطابع المحدد تاريخياً والانتقالي للرأسمالية([62]).

بالنسبة لبعض "الماركسيين" يبدو أن تحليل ماركس لتناقضات الرأسمالية منفصل عن التزامه بالثورة البروليتارية، ومن أنصار هذا الرأي الحاليين لوسيو كوليتي([63])، إلا أن الفكرة تعود إلى الأممية الثانية، فقد كتب رودلف هلفردنج أن "الاعتراف بضرورة ما أمر مختلف تماماً على أن يضع المرء نفسه في خدمة هذه الضرورة"([64])، مما يؤدي إلى استنتاج أن الانتقال مما هو واقع من انهيار رأسمالي إلى ما ينبغي من اشتراكية، يقتضي التزاماً أخلاقياً إضافياً (عادة ما يؤخذ من المبادئ الأخلاقية للفيلسوف الألماني كانت)، إلا أن هلفردنج قد قلب المنطق الحقيقي للماركسية. إن الالتزام نحو البروليتاريا هو الذي جعل كشف تناقضات الرأسمالية ممكناً وقد نبع ما ينبغي من هذا الالتزام من الوجود الخارجي السابق عليه للبروليتاريا التي كانت قد بدأت بالفعل صراعها من أجل التحرر الذاتي.

لنوجز ما تقدم كله: نظرياً، تبدو الثورة للبروليتاريا كنتيجة لنظريات المادية التاريخية، وفائض القيمة، الخ، لكنها أيضا أساس هذه النظريات في الواقع. التأكيد الامبريقي لهذه الأطروحة يوجد في واقع أن ثورات العمال عادة ما تبدأ تلقائياً—باريس 1848، 1871، بتروغراد 1905، 1917 ألمانيا 1918، أسبانيا 1936، المجر 1956، فرنسا 1968، الخ. دور الماركسية ليس خلق أو إطلاق الثورة وإنما إرشادها للنصر. نحن الآن في وضع يسمح باستيعاب الوحدة الأساسية للماركسية وطابعها التطوري—على أساس الصراع البروليتاري ضد رأس المال. هاتان القوتان الاجتماعيتان العظيمتان المنخرطتان في المعركة وتتغيران وتتطوران باستمرار، وهو ما يحدث أيضاً لتوازن القوى بينها، ولتفاعلها مع الطبقات الأخرى، الماركسية أيضاً يجب أن تتغير وتتطور إذن، ولكنها يجب أن تفعل ذلك دون أن تتحول عن وجهة نظر البروليتاريا، فهي عندما تجري هذا التحول تتوقف عن أن تكون ماركسية، لقد وصف لينين الماركسية ذات مرة بأنها كتلة من الصلب. إن سلامة هذا المجاز ذات طابع محدد بصرامة، إلا أنه أفضل بكثير من الرأي الشائع القائل بأن الماركسية تتكون من أجزاء منفصلة يمكن طرحها جانبا واستبدالها كما يحلو لنا. الأكثر دقة هو قول لينين، "إن ماركس أرسى أحجار الزاوية للعلم الذي ينبغي للاشتراكيين أن يطوروه في كل الاتجاهات إذا أرادوا ألا يتخلفوا عن الأحداث"([65])، انه لمن طبيعة الاتجاهات المراجعة أن تحاول إزاحة أحجار الزاوية تلك (وهي ليست تعسفية وإنما تعبيرات نظرية عن الوجود الاجتماعي للبروليتاريا)، وبذلك تتحول عن وجهة نظر البروليتاريا إلى وجهة نظر طبقة أخرى.





هوامش الجزء الأول
تشير الهوامش إلى مراجع منشورة باللغة الإنجليزية






--------------------------------------------------------------------------------

[1]تتروتسكى، الثورة الدائمة ونتائج وتوقعات، (نيويورك، 1969)، ص1.

[2]لوكاش، التاريخ والوعي الطبقي، (لندن، 1971)، ص1.

[3]يظهر هذا الإختزال للماركسية حالياً في كتابات وخطب تنظيم "ميليتانت" في بريطانيا.

[4]لوكاش، المصدر السابق، ص1.

[5]تروتسكى، دفاعاً عن الماركسية، (لندن 1966)، ص11.

[6]ماركس، مقدمة في نقد الاقتصاد السياسي.

[7]كارل ماركس، كتابات مختارة، تحرير د. ماكلينين، (أكسفورد، 1978)، ص63.

[8]المصدر السابق، ص 63.

[9]أنظر أطروحات فيورباخ.

[10]انجلز، حول تاريخ المسيحية المبكرة، في ماركس وانجلز، كتابات أساسية في السياسة والفلسفة، (نيويورك، 1978)، ص209.

[11]انجلز، ضد دوهرنج، (بكين، 1976)، ص 18.

[12]كارل ماركس، كتابات مختارة، مصدر سابق، ص 212.

[13]المصدر السابق، ص 231.

[14]المصدر السابق، ص 231.

[15]نحو نقد فلسفة الحق عند هيجل: المقدمة (1844)، المصدر السابق، ص 73. لابد أن نسجل الدور الهام الذي لعبه انجلز في هذا الوقت، على أساس تجربته مع الطبقة العاملة الانجليزية في مانشستر.

[16]ذكر في لينين، ما العمل؟، (موسكو، 1969)، ص40.

[17]المصدر السابق، ص32.

[18]انظر جون مولينو، الماركسية والحزب، (لندن، 1978)، ص46 - ص 50.

[19]كارل ماركس، كتابات مختارة، المصدر السابق، ص 229.

[20]ماركس إلى فيدماير، 5 مارس 1882، المصدر السابق، ص 341.

[21]لينين الأعمال الكاملة، (موسكو، 1962)، المجلد 25، ص412.

[22]أنظر كارل مانهايم، الأيديولوجيا واليوتوبيا، (لندن، 1976)، يعرف مانهايم المثقفين المستقلين على أنهم المجموعة الأكثر قدرة على تجاوز موقعهم الاجتماعي والوصول إلى بلورة لكل وجهات النظر المحددة اجتماعياً. وقد لاحظ نايجل هاريس التشابه بين هذه الرؤية ورؤية المثقفين النخبوية لكاوتسكى، المعتقدات في المجتمع (لندن، 1971) ص222.

[23]أنظر أطروحة ماركس الثانية حول فيورباخ.

[24]طالما يفهم المرء "الموضوعي" بما يعنى كما طرح جرامشى، "الموضوعي الإنساني" وليس "الموضوعية اللاتاريخية واللاإنسانية". أنظر جرامشى، مختارات من مذكرات السجن، (لندن، 1971)، ص445 - 446.

[25]لأن أساس المجتمع الرأسمالي هو العمل المغترب، يظهر هذا المجتمع كوجود مستقل عن البشر وخارج سيطرتهم. ولذا ارتكب عالم الاجتماع البرجوازي اميل دركهايم، الذي اعتبر المجتمع واقع أخلاقي خارج نطاق البشر، وأيضاً الفيلسوف الستاليني لويس ألتوسير، والذي طرح أن التاريخ هو عملية بدون فاعل، ارتكب نفس خطأ التشيى، وهو عملية ثقافية تعكس الواقع المادي للاغتراب.

[26]هناك إمكانية أن يكون متاحاً في المستقبل التمييز بين علم الحقبة البرجوازية وعلم الحقبة الاشتراكية.

[27]لينين، المصادر الثلاث والمكونات الثلاث للماركسية.

[28]لم تكن البرجوازية دائماً في هذا الموقع. في أيامها الأولى، حين كانت تصارع من أجل تكوين نفسها كطبقة حاكمة، كانت تحتاج لتغيير المجتمع. ولذا الإنجازات العظيمة لمنظريها في الفلسفة (من ديكارات إلى هيجل) والسياسية (من ماكيافيلي إلى روسو) والاقتصاد (سميث وريكاردو).

[29]ماركس، الأيديولوجية الألمانية، (نيويرك، 1947)، ص40.

[30]لوكاش، لينين، (لندن، 1970)، ص9.

[31]المصدر السابق، ص90.

[32]ماركس وانجلز، الأعمال المختارة، (موسكو، 1962)، المجلد الثانى، ص80.

[33]طرح ماركس نفس الفكرة المنهجية عندما كتب أن "التشريح البشرى يتضمن المفتاح إلى تشريح القرد" ماركس، الجروندرسة، (هارمندسورث، 1973)، ص105.

[34]مثلاً: "يبدأ البشر في تمييز أنفسهم عن الحيوانات في اللحظة التي يبدءوا فيها إنتاج أدوات معيشتهم، كارل ماركس، الكتابات المختارة، المصدر السابق، ص 160.

[35]ماركس وانجلز، أعمال مختارات، مصدر سابق، المجلد الثاني، ص91.

[36]أنظر ماركس، نقد برنامج جوتة، المصدر السابق.

[37][37]لنفس السبب لا يكون تأييد حق تقرير المصير الوطني مطلقاً. هناك حالات يكون فيها تقرير المصير معادياً للمصالح الكلية للطبقة العاملة ولذلك رجعى. مثلاً: القومية السلافية في القرن التاسع عشر والصربية في الحرب العالمية الأولى.

[38]انجلز، "كارل ماركس"، في ماركس وانجلز، الأعمال المختارة، مصدر سابق، المجلد الثاني، ص163.

[39] كارل ماركس، كتابات مختارة، المصدر السابق، ص7 - 168.

[40]كارل ماركس، كتابات مختارة، المصدر السابق، ص154.

[41]ماركس، الأطروحة الأولى حول فيورباخ.

[42]ماركس، الأطروحة الثالثة حول فيورباخ.

[43]المصدر السابق.

[44]كارل ماركس، الكتابات المبكرة، المحررت. ب. بوتومور، (لندن، 1963)، ص202.

[45]المصدر السابق، ص203.

[46]انجلز، "خطابات أمام قبر كارل ماركس"، ماركس وانجلز، أعمال مختارة، المصدر السابق، المجلد الثاني ص167.

[47]انجلز، "مقدمة في نقد الاقتصاد السياسى"، كارل وماركس، أعمال مختارة، المصدر السابق، المجلد الثاني ص167.

[48]المصدر السابق، ص214.

[49]ماركس، الكتابات المبكرة، مصدر سابق، ص69.

[50]المصدر السابق، ص120.

[51]المصدر السابق، ص59.

[52] "الانهيار" ليس بمعنى التفكك الذاتى ولكن بمعنى السقوط في أزمة عنيفة تخلف إمكانية الإطاحة به.

[53]ليست مسألة تقنية أو صدفة أن جوهر رأس المال هو نظرية قيمة العمل وأن الطبيعة المزدوجة للسلعة تأتى من الطبيعة المزدوجة للعمل (العمل المادى والمجرد).

[54]ماركس، الكتابات المبكرة، مصدر سابق، ص129.

[55]المصدر السابق، ص132.

[56]المصدر السابق، ص122.

[57]ماركس، رأس المال، المجلد الأول، (لندن، 1974)، ص582.

[58]ماركس، الكتابات المبكرة، المصدر السابق، ص604.

[59]ماركس، رأس المال، المجلد الأول، المصدر السابق، ص604.

[60]لكثير من هذه المقاطع لدحض نهائي لأطروحة ماركس الشاب / الناضج أنظر: اتسفان متزاروى، نظرية ماركس في الاغتراب، (لندن، 1975) ص253 - 267، لتحليل مغلوط ولكن عبقرى لمركزية العمل المغترب في بنية ومنطق رأس المال أنظر: رايا دونايفسكايا، الماركسية والحرية (نيويورك، 1964).

[61]ماركس، رأس المال، المجلد الثالث (موسكو 1966) ص250.

[62]لوكاش، التاريخ والوعى الطبقى، مصدر سابق، ص53 - 54 وص63 - 64 ودونايفسكايا، الماركسية والحرية، المصدر السابق، ص143.

[63]أنظر لوسيو كوليتى، "الماركسية: علم أم ثورة؟" في من روسو إلى لينين.

[64]هيلفردينج، مقدمة رأس المال المالي.

[65]لينين، "برنامجنا"، 1899.

المصدر اشتركيون


الأحرار وأصحاب العزة والرجوله يحلقون عاليا



https://www.facebook.com/xoxoxtx?ref=tn_tnmn
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
ما هي الماركسية؟
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
{منتديات صـــــــ الحجرية ـــــــــوت} {Taiz yemen} :: ؛¤ّ,¸¸,ّ¤؛°`°؛¤اقلام حره ومنتدي عام ؛¤ّ,¸¸,ّ¤؛°`°؛¤ :: صوت الحجرية الاقلام الحره-
انتقل الى:  
ضع اعلانك هناء
الحقوق


جميع الحقوق محفوظة لـ{منتديات صـــــــ الحجرية ـــــــــوت} {Taiz yemen}
Powered by phpBB2 ®moath.arab.st حقوق الطبع والنشر©2013--2012

.: انت الزائر رقــــــــــــــم :.

المشاركات المنشورة بالمنتدى لاتعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى ولا تمثل إلا رأي أصحابها فقط مع تحيات معاذ حميد السامعي
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
معاذ حميد السامعي
 
حبيبكو
 
بشير محمد السامعي
 
صفاء البريهي
 
محمد الحريبي
 
الحوري
 
نرجسيه
 
نادر الوجود
 
منير السعدي
 
سلطنه
 
متطلبات الموقع
كود تسريع
تغير لغة الموقع من هناء
أختر لغة المنتدى من هنا
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 41 بتاريخ الخميس مايو 25, 2017 1:00 pm
موس 2
قلوب تتساقط معاذ السامعي
دوران الاسم
-> <a href="http://java.tatousek.cz/" class="postlink" target="_blank">http://java.tatousek.cz</a> - 00088 Sample
مع تحيات منتديات صوت الحجرية المدير العام معاذ حميد السامعي